ابن الجوزي

120

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

قال أبو عامر : فقمت مع الرسول حتى أتى بي إلى فناء فأدخلني منزلا رحبا خربا . فقال لي : قف ها هنا حتى أستأذن لك . فوقف ، فخرج إليّ فقال لي : لج . فدخلت ، 57 / ب فإذا بيت مفرد في الخربة ، له باب / من جريد النخل ، وإذا بكهل قاعد مستقبل القبلة ، تخاله من الوله مكروبا ، ومن الخشية محزونا ، قد ظهرت في وجهه أحزانه ، وذهبت من البكاء عيناه ، ومرضت أجفانه ، فسلَّمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، ثم تحرك ، فإذا هو أعمى أعرج مسقام . فقال لي : يا أبا عامر ، غسل الله من درن الذنوب قلبك ، لم يزل قلبي إليك تواقا ، وإلى سماع الموعظة منك مشتاقا ، وبي جرح بعد [ 1 ] ، قد أعيا الواعظين دواه ، وأعجز المتطببين شفاؤه ، وقد بلغني نفع مراهمك للجراح والآلام ، فلا تألو - رحمك الله - في إيقاع الترياق ، وإن كان مرّ المذاق ، فإنّي ممن يصبر على ألم الدواء رجاء الشفاء . قال أبو عامر : فنظرت إلى منظر بهرني ، وسمعت كلاما قطَّعني ، فأفكرت طويلا ، ثم تأتى من كلامي ما تأتى ، وسهل من صعوبته ما منه يرق لي . فقلت : يا شيخ ، ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء ، وأجل سمع معرفتك في سكان الأرجاء ، وتنقل بحقيقة إيمانك إلى جنة المأوى فترى ما أعدّ الله فيها للأولياء ، ثم تشرف على نار لظى فترى ما أعد فيها للأشقياء ، فشتان ما بين الدارين ، أليس الفريقان في الموت سواء ؟ قال أبو عامر : فأنّ أنّة ، وصاح صيحة ، وزفر والتوى ، وقال : يا أبا عامر ، وقع والله دواؤك على دائي ، وأرجو أن يكون عندك شفائي ، زدني رحمك الله . فقلت له : يا شيخ ، إن الله عالم بسريرتك ، مطلع على خفيتك ، شاهدك في خلوتك بعينه ، [ أين ] [ 2 ] كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته . فصاح صيحة كصيحته الأولى . ثم قال : من لفقري ، من لفاقتي ، من لذنبي ، من لخطيئتي ؟ أنت يا مولاي ، وإليك منقلبي . ثم خرّ ميتا رحمه الله . قال أبو عامر : فأسقط في يدي وقلت : ما جنيت على نفسي . فخرجت إلي جارية عليها مدرعة صوف ، وخمار من صوف ، قد ذهب / السجود بجبينها 58 / أوأنفها ، واصفرّ لطول القيام لونها ، وتورمت قدماها ، فقالت : أحسنت والله يا حادي قلوب العارفين ، ومثير أشجان غليل المحزونين ، لا نسي لك هذا المقام رب العالمين ، يا أبا عامر ، هذا الشيخ والدي ، مبتلى بالسقم منذ عشر سنين ، صلى حتى أقعد ، وبكى

--> [ 1 ] هكذا في الأصل وفي ت : « نعل » . [ 2 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل وأثبتناه من ت .